محبي ومؤيدي سماحة السيد فرقد القزويني

منتدى منوع يجمع كل محبي سماحة السيد الاستاذ فرقد الحسيني القزويني


    بحث مقتبس من محاضرة السيد الاستاذ ( اول الدين معرفته)

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 6
    تاريخ التسجيل : 30/03/2010

    بحث مقتبس من محاضرة السيد الاستاذ ( اول الدين معرفته)

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 05, 2010 3:42 am

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
    المقدمة
    عزيزي القارئ الكريم:
    نقدم هذه السلسلة بأسلوب سهل لتحقيق الفائدة، لننال من طرحها تذكرة لأولي الألباب والقلوب الواعية، وأعتمدنا في ذلك كتاب الله والسُنة المطهرة وما ورد عن الأولياء العظام (صلوات الله عليهم أجمعين) أهل الله الكرام، للسعي في العثور على حقيقة النفس المتعلقة والمرتبطة بفطرة الله وإستنقاذها من مستنقع الأنانية والعجب والضلالة وحب الدنيا والعودة بها إلى الصراط المستقيم، صراط محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}. الصراط المنطلق من قول الرسول الكريم (ص) {إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما فلن تظلوا بعدي أبداً وبن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
    وأعلم عزيزي القارئالكريم، لايصل العبد المؤمن لذل العبودية الحقة للمولى سبحانه وتعالى إلاّ بإدراك الربوبية بمراتب العلم.
    وها نحن نضع بين يديك هذا السفر اليسير لتركب سفينة الولاية الألهية وقصدنا من وراء ذلك الله وحده..
    أخي القارئ الكريم:
    لما كانت بحوث سماحة السيد الأستاذ الحجة فرقد الحسيني القزويني (دام عزه) محتوية على الغرائب واللطائف مما مَنَّ به المولى سبحانه عليه من المعارف فستكون هذه البحوث مقتصرة على ذكر بعض المستويات تاركين أمر التوسع إلى البحوث المناسبة.


    كُتب في جمادي الآخرة من عام 1424هـ

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
    والحمد لله حق حمده والصلاة على أشرف خلقه وعلى آله وصحبه.
    قال الأمير عليه السلام في خطبة له
    {أول الدين معرفته}
    في هذا لمبحث تناول سماحة السيد الأستاذ فرقد الحسيني القزويني (دامت إفاضاته) شرح هذا المقطع من الخطبة الشريفة.
    تمهيد:
    قال دام عِزّه: قبل الدخول في هذا المبحث أود التنبيه إلى مسألة مهمة قد يغفل عنها البعض, وهي أن أصول الدين (العقائد) لا يجوز التقليد فيها, وهذا أمر أتفق عليه علماء الإمامية (أعزهم الله) فمثلاً؛ قال العلامة جمال الدين الحلي (قدس) في الباب الحادي عشر: (أجمع العلماء كافة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية, وما يصح عليه وما يمتنع عنه, والنبوة والإمامة والمعاد بالدليل لا بالتقليد, فلا بدّ من ذكر ما لا يمكن جهله على أحدً من المسلمين, ومن جهل شيئاً من ذلك خرج عن ربقة المؤمنين واستحق العقاب الدائم..) وكلامه (قدس) واضح لا يحتاج إلى بيان.
    كذلك هناك شئ آخر وهو؛ أنه كمالا يجوز التقليد في أصول الدين, فإنه لا يجوز التقليد في الفروع, وإنما يكون التقليد في جزئياتها. فمثلاً؛ إن تقليدنا للمرجع في الصلاة لا يعني إننا نقلده في وجوب الصلاة بما هي صلاة, وإنما تقليدنا له في كيفية أدائها وما يجب وما لا يجوز فيها وما يبطلها, وغير ذلك من الأمور. ولذلك قال الفقهاء (رضوان الله عليهم) في رسائلهم: (يجب على كل فرد غير مجتهد في سائر الأمور والأعمال من عبادات ومعاملات عدا ما علم حكمه في الشريعة من القطعيات والضروريات) والقطعيات والضروريات هي الأصول والفروع. فنحن لا نقلد المجتهد لأنه يقول مثلاً؛ أن الصوم أو الصلاة واجبان على كل مكلف, لأن أمر الوجوب صادر من المولى سبحانه وتعالى قبل المجتهد.
    وعلى هذا فاعلم؛ أن الاجتهاد في أصول الدين هو (استفراغ الوسع وبذل الجهد والسعي الحثيث لمعرفة المولى سبحانه) وهذا إنما يكون مستنداً إلى ما بيّنه الحق على ألْسِنة الأنبياء والمرسلين والأوصياء (عليهم السلام) منطلقاً من جهة الإبداع المودعة في الإنسان من قِبَل المولى جل وعز, أعني الفطرة. قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: من الآية30) فهي النبي الباطني كما يُعبر عنها, وهي فيما يُقابل النبي الخارجي صاحب التشريع وهم (الأنبياء عليهم السلام).
    فالفطرة مع التشريع يمكن أن نمثلهما بالشعاع والبصر, فبصر الإنسان نقول عنه (الفطرة) والشعاع هو (نبي ظاهر مرسل) أي التشريع. وإذا لم يكن هناك بصر لا يستطيع الإنسان الرؤية, وعند ذلك لا يهم أَوجِدَ الشعاع أم لم يوجد, بمعنى إذا لم تكن هناك فطرة أو كانت غير سليمة فلا يؤثر وجود النبي (التشريع) قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً}(الإسراء:72) وقال سبحـــانه: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(الحج: من الآية46), وكذا الحال إذا كان هناك بصر سليم من غير إشعاع, لأن الرؤية السليمة سوف لن تتحقق, وهذا من شروط الرؤية, كما يقرّها علماء الأبدان, بمعنى أنه لو كانت هناك فطرة من دون تشريع يوجهها بالوجهة الصحيحة فلا يتحقق الوصول إلى الغاية وإلى المعرفة الحقة للمولى جل وعلا, قال تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}(المائدة: من الآية35). وعليه فالفطرة والتشريع شيئان متصلان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
    فإذا أردنا التدين بدين الحق الذي أوله معرفة الحق تعالى لقوله عليه السلام: {أول الدين معرفته} فعلينا أن نأخذ تلك الأصول من صاحب التشريع, صاحب الدين الحق, صاحب الفطرة السليمة والحجة البليغة, وهو النبي لمصطفى صلوات الله عليه وآله وأوصياؤه عليهم السلام من بعده, ولا نأخذ ما نظنه وما نتصوره, لأن {الظن لا يُغني من الحق شيئاً} قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه}(الجاثـية: من الآية23) كما لا يجوز لنا أن نتقول على الحق ولا على أهل الحق.
    فالمسلم يستقي عقيدته من الله سبحانه وتعالى عن طريق محمد صلى الله عليه وآله.
    أما أن يستند المرء إلى عقله القاصر أو إلى فطرته الملوثة ثم يصدر حكمه في مسألة عقائدية فهذا ما لا يجوز إطلاقاً {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}(المائدة: من الآية44) ولذا قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(الحشر: من الآية7) وقال صلى الله عليه وآله في خطبة له: {يا أيها الناس إنكم في دار هدنة، وأنتم على ظهر سفر، والسير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يُبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود, فأعدوا الجهاز لبعد المجاز} فقام إليه المقداد بن الأسود وقال له: يا رسول الله ما (دار هدنة)؟ فقال صلى الله عليه وآله: {دار بلاغ وانقطاع, فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع, من جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار, وهو الدليل يدل على خير سبيل, وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل, وله ظهر وبطن, ظاهره حكم وباطنه علم, ظاهره أنيق وباطنه عميق, لا تُحصى عجائبه ولا تُبلى غرائبه, وفيه مصباح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة}. فلماذا نترك القرآن الذي هو أشرف الكتب السماوية, وفيه تفصيل لكل شئ, وفيه تبيان لكل شئ, ولا تفريط فيه لأي شئ؟!
    وهذا القول يصدق على الثقل الثاني الذي هو عِدلُ القرآن بنص قول الرسول صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين: {إني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض..}.
    كما إن العترة تشمل عترته صلى الله عليه وآله بالمعنى الأخص, أعني المعصومين بالعصمة الواجبة المنصوص عليهم من قِبَله صلى الله عليه وآله, وعترته بالمعنى الأعم, وهم الذين ساروا على هدى من ربهم وحذوا حذو الرسول وأوصيائه صلوات الله عليهم وتمسكوا بهما حتى عُصِموا بالعصمة الثانوية.
    فكل من جعل القرآن والنبي وعترته دليله وقائده دخل في عترته صلى الله عليه وآله وأصبح من أهل بيته, كسلمان المحمدي (رض) {سلمان منا أهل البيت} مع العلم أن سلمان لا يتصل بنسب مع النبي, وإنما اتصاله به صلى الله عليه وآله سببي, وهو أهم وأوثق وأبقى, وهو الاتصال المثمر المنتج للكمالات العالية والدخول في جنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
    أما صلة النسب فلا يمكن القياس عليها، فكم من متصل برسول الله صلى الله عليه وآله وهو أبعد ما يكون عن خُلقه, وكم من متخلق بأخلاقه صلى الله عليه ولا يرتبط مع النبي صلى الله عليه وآله. فأبو لهب وهو عم الرسول صلى الله عليه وآله كان عدو لله وللرسول ونزلت سورة في حقه هو وزوجته. وبلال الحبشي وهو عبد من الحبشة لا يتصل برسول الله صلى الله عليه وآله بأية صلة تجده كان قريباً منه ومؤذنه الخاص.
    ولذا قال صلى الله عليه وآله: {أنا جد كل تقي} فالتقوى هي الصلة وهي الحَسَب والنسب وهي المعنية بقوله صلى الله عليه وآله: {كل حسب ونسب ينقطع يوم القيامة إلاّ حسبي ونسبي} وأمته صلى الله عليه وآله هي من تتبعه وتنهل من معينه الذي لا ينضب وتهتدي بنوره وتتأسى به {لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(الأحزاب: من الآية21) وهي الأمة التي عناها صلى الله عليه وآله بقوله لعلي عليه السلام: {يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة} أما من جحد وكفر وسار في طريق غير طريقهم عليهم السلام واتخذ أهوائه مُرشداً له ودليلاً أو اتخذ من غيرهم مثلاً أعلى يحتذي به فهو ليس من أمته صلى الله عليه وآله, وأن كان في التكوين منه. قال تعالى مخاطباً نوح عليه السلام حينما سأله عن ابنه الغريق: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}(هود: من الآية46). وهذا له بحث خاص مستقبلاً إن شاء الله.
    وقد ورد عن المعصوم عليه السلام في حديث له عن القرآن: {من أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله زالت له الجبال قبل أن يزول, ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال}.
    وعلى أساس كل ذلك وغيره فمن أراد أن يعبد الله حق عبادته ويخلص له حق الإخلاص فعليه أن يسعى جاهداً في طلب العلم, ومعرفة كيفي وقوع العبادة على الوجه الصحيح وبما يضمن له فراغ الذمة, وهذا يستلزم معرفة المعبود الذي تستحق له العبادة وحده, ولذا قال الأمير عليه السلام لذعلب اليماني حينما سأله (هل رأيت ربك؟) فقال له: {ويلك لم أكن بالذي يعبد رباً لم يره} فالأمير عليه السلام عرف وعبد {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(الأعلى:15) ولذا قال المعصوم عليه السلام: {من علم عمل} من حيث أن المعرفة هي التي تقرر طبيعة وكيفية العمل الواجب الإتيان به (أي العبادة) فهي مقام العمل.
    وإلى هذا أشار الأمير عليه السلام في خطبته {أول الدين معرفته} فالمعرفة, أعني معرفته سبحانه مُقَدَمة على العمل, قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات:56) والعبادة متقومة بالمعرفة فلا عبادة ولا دين حق إلاّ بعد المعرفة.
    وهذا ما جعلنا نلتفت إلى حقيقة صلاتنا وصيامنا وباقي الأعمال العبادية التي كُلفنا بها. وعلينا معرفة لماذا نصلي؟! فكل عامل لعمل ما لا بدّ له من معرفة لماذا يعمل ولمن يعمل, والذي يكد ويتعب تكون غايته مثلاً؛ أن يأكل وآخر ليوفر لعياله سُبل العيش والرفاهية وآخر يعمل للجني والثروة وهكذا, ولن نجد شخصاً يعمل عملاً دون أن يعرف سبب عمله وغايته. وكذا من يُصلي عليه أن يعرف لماذا يُصلي ولمن يُصلي و...و... لا أن تكون صلاته عادة اعتاد عليها, بل يجب أن تكون عبادة تُرقيه وتوصله إلى الحق تعالى.
    فلو جاء شخص وسأل: ما الذي تعبدونه؟ لكان الجواب: إننا نعبد الله. ولو سأل ثانياً: الله هل هو جسم أم لا؟ فإن أجبناه بأن الله ليس بجسم لقال لنا: ألم تقولوا يا معشر المسلمين (إن الله ينزل في كل ليلية جمعة عند السحر ويقول من يستغفر فأغفر له) وألم يذكر القرآن الذي تقدسونه {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}(الحج: من الآية75) بمعنى أنه يسمع ويُبصر, ألم يقل القرآن: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}(الفتح: من الآية10) وهذا يعني أن له يد, ألم يذكر القرآن إن لله وجه, حيث ورد: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} (القصص:88). وعليه فالقرآن هو الذي جسَّمَ الله الذي تعبدونه يا أيها المسلمين؟!.
    ولو سأل ثالثاً: أين هو الله الذي تعبدونه؟ هل هو في السماء أم في الأرض أم ماذا؟
    وهكذا تتوارد الأسئلة, فمن الذي يُجيب؟ وهل ينحصر الجواب عند فئة دون أخرى؟ ولماذا لا يتمكن البعض من الإجابة وهم ممن يصوم ويُصلي ويُزكي ويحج ويأتي بكل الفروع؟
    وكل تلك الأسئلة حق وإن لم نسمعها من الآخرين فقد نسمعها من أبنائنا وإخواننا وأزواجنا, وعند ذلك ما الذي سنقوله لهم؟ فهل نزجرهم؟ وإذا زجرناهم فهل نستطيع أن نمنعهم من التفكير بتلك الأسئلة؟ كل ذلك وغيره أدى إلى تراجع المسلمين وعدم اهتمامهم الجدي بإسلامهم, وإن أهتم البعض منهم (جزاهم الله خيراً) فإنهم إنما يتمسكون بالقشور ولا يتطرقوا إلى الّلب.
    إن المسلمين سمعوا إنه قبل حوالي (1400 سنة) تقريباً ظهر رجل اسمه (محمد) ادعى النبوة ودعى إلى عبادة الواحد الأحد ونبذ عبادة الأوثان, وجاء القرآن الكريم وهو من الله سبحانه عن طريق الوحي وأخبرنا إن من يطيع الله ومن يلتزم بما أمر به الله من صلاة وصيام وغيرها فإن له الجنة, ومن خالف وعصى فإن مصيره النار.
    أما قبل هذا فقلما نجد المسلمين مَنْ تفكر في الله وكيف خلق الإنسان وخلق هذا الكون الفسيح؟! ألم يقرأ الإنسان إن (مجرّة العيوق) تبعد عن الأرض (50سنة ضوئية) والضوء يقطع (90 بليون و201 مليون كلم) وإذا ضربنا هذا العدد فــي (50 سنة ضوئية) كم ستكون النتيجة؟ بالتأكيد سيكون رقماً هائلاً, فما يُريد الله بهذا؟ ولماذا خلقها سبحانه بهذا البعد؟ وما فائدتها؟ وإذا علمنا إن هذه مجرة واحدة فقط, وأن هناك مئات بل آلاف المجرات, وكل مجرة لا يمكن ضبط أبعادها.
    فإذا كان خلق الله هكذا فهل يمكن أن تحدّه أو تتوهمه العقول؟
    واعلم أن قولنا هذا ليس اعتباطاً أو من عند أنفسنا, بل يجب أن يكون بالدليل.ولا دليل أشرف وأقوى من القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وأقوال المعصومين عليهم السلام, فإننا يجب أن لا نحيد عن أقوالهم وآرائهم, ويجب علينا فهم الأدلة تبعاً لذلك, لا أن تستقل عقولنا باستنباطات واهية لا تستند إلى ركن شديد, ولا نظن أننا نريد تحجيم دور العقل, بل إن مراد كلامنا هو توجيه العقل بالشكل الذي يقربنا إلى معرفة الحق تعالى, فالله سبحانه لم يخلق العقل عبثاً (وحاشاه).
    بل ليتمكن الإنسان من إدراك الكثير من الآيات الآفاقية والأنفسية, فنحن نرفض الأسلوب العقلي أو المذهب العقلي, بل نلجأ إليه لتثبيت عقائدنا عند من لا يفهم سوى ذاك الطريق, فهو وسيلة لا غاية بهذا الاعتبار.
    واعلم إنه وقبل شرح قول المعصوم عليه السلام: {أول الدين معرفته} علينا أن نعرف مَن نعبد؟ وما هي العبادة؟
    فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: {من عمل بدون علم كان ما يُفسده أكثر مما يُصلحه} وعن الصادق عليه السلام: {العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة المسير إلاّ بعداً}.
    والسر في ذلك؛ إن إصلاح القلب وتطهيره من الذنوب بالعبادات الجسمانية وتصفية النفس بالأعمال البدنية ليست هي الغاية, لأن الله تعالى لم يُشرع الصلاة مثلاً لأنها الغاية أو شرع الصوم لغاية الجوع والعطش, بل أن هذه العبادات جاءت بالعرض. فالغاية من الصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات الواجبة ونهي النفس عن المحرمات حين الالتزام بذلك هي إيصال العبد إلى المعرفة الإلهية, فالعبادات وسائل ووسائط لا أنها غاية. ومن خلالها يتكامل ويترقى الإنسان نحو مبدأ الحق:{ما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أكون سمعه الذي يسمع فيه وعينه التي يبصر بها ويده التي يبطش بها وقدمه التي يسعى بها} وما ذلك إلاّ بمعرفة حقائق تلك العبادات, وأنها الطريق الحق لمعرفة الحق تعالى. وعن الإمام الصادق عليه السلام: {لا يقبل الله عملاً إلاّ بالمعرفة ولا معرفة إلاّ بالعمل فمن عرف دلّته المعرفة على العمل ومن لم يعمل لا معرفة له}.
    ويُمكن أن نفهم هذا القول الشريف بأننا إذا لم نُصلِ ونصوم وننتهي عن المحرمات فإنه تعالى مجده لا يكشف لنا عن أسرار خلقه, وإذا صلينا وصُمنا وأتينا بالواجبات وانتهينا عن المحرمات فالله تعالى يكشف لنا عن أسراره. هذا الفهم هو الأولي لتلك الأقوال.
    ولا يتبادر إلى الأذهان إن كشف الأسرار من قِبَله تعالى يكون بالنسبة للفرد كجزاء أو ثواب لالتزامه بتلك الواجبات وانتهائه عن المحرمات, لأن الحديث واضح بأن المعرفة هي الدالة على العمل, بمعنى أنها هي التي توجب العمل الكذائي لا غيره فتكون العبادات هي المراكب التي يسير بها الإنسان للوصول إلى الحق تعالى, ومن خلال سيرها في ملكوته عزّ أسمه تتضح للإنسان الكثير من الأسرار التي كان يجهلها أو كانت بعيده عنه لو ترك تلك المراكب واتخذ غيرها مراكباً.
    فالإسلام وضع من قبل المولى تعالى وهو تعالى من شرع تلك العبادات وأمر باتباع بعض الأحكام ونهى عن اتباع البعض الآخر, وما ذلك إلاّ لخدمة الإنسان وتعبيد الطريق أمامه للوصول إليه تعالى.
    واعلم؛ إن من التزم بذلك وكان دائم التفكير به سبحانه ولا يغفل عن ذكره لحظة, فإن الحق لا يضيع أجر العاملين فيعطيـه على قدر نيته {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}(الكهف: من الآية49) ومن أخلص لله في سجدة أُعطيَ على قدرها معرفة, ومن أخلص لله في كل أوقاته في ليله ونهاره أعطاه الله علم بقدر تلك العبادات والأعمال.
    وبعبارة أخرى؛ إن الالتزام بتلك العبادات ومعرفة المراد منها هو ما يقود لمعرفة الحق سبحانه.
    واعلم؛ إن لكل موجود حظ من معرفة الله تعالى, ولكنها معرفة ناقصة, فكيف إذن تتكامل هذه المعرفة؟ وكيف يتسنى لنا الدخول بدين الحق إذا كان أول الدخول في ذلك الدين معرفة الدَّيان {أول الدين معرفته}؟ وهل نحن قبل هذه المرحلة في منطقة الّلادين (إن صح التعبير) أو ندين بدين غير دين الحق؟
    للإجابة على هذه التساؤلات مستويات متعددة, ولكن القول أن لا عبادة حقيقية إلاّ تلك المُشرعة من قبل الحق أما غيرها فلأن الحق (يريد أن يُعبد من حيث هو يريد لا من حيث نحن نريد) وللطفه ورحمته كانت تلك التشريعات والأنظمة والرسل, فهو من أرشدنا إلى عبادته {ولولا أنت لم أدرِ ما أنت}. أما كيفية حصول تلك المعرفة لِلاّمحدود. فالأمير عليه السلام يقول: {لم تُحط به الأوهام بل تجلى لها بها وبها امتنع عنها وإليها حاكمها}.
    سؤال: ما معنى (لم تُحط به الأوهام)؟ ولماذا لم يقلْ (لم تدركه الأوهام) مثلاً؟
    • (لَم) حرف نفي وجزم وقلب, تنفي الفعل المضارع وتقلب زمنه إلى الماضي.
    أولاً: قيل: أن الإحاطة ترادف الإدراك, وقيل أن الإدراك متضمن لمعنى الإحاطة.
    ثانياً: وقيل: إن الإدراك إنما يكون للبعض وللكل على سواء, بينما الإحاطة فهي لا تكون إلاّ للكل.
    وعلى ما قيل أولاً؛ من الممكن القول: إن نفي الإحاطة يستلزم نفي الإدراك, من حيث تقومه بها, وإذا انتفى الجزء انتفى الكل.
    وعلى ما قيل ثانياً؛ فإن نفي الإحاطة الكلية بحقيقة لا تمنع من إمكان إدراكه بجهة من جهاته.
    وعلى كلا الفهمين للإدراك والإحاطة نقول: إنما امتنعت الإحاطة بالذات المقدسة:
    1- لعجز المتناهي (المحدود) الممكن عن الإحاطة باللامتناهي (الواجب اللامحدود) والإحاطة إنما تصدق على المتناهي من الأشياء. أما ما كان لا متناهي فلا يمكن ذلك.
    2- إن فرض الإحاطة يُشعر بمحدودية المُحاط به وهذا باطل بالنسبة إلى اللامتناهي, لأن فرض الإحاطة يعني تحديده بحدود {ومن حدّه فقد عدّه} وهذا باطل.
    3- إن لدينا محاط ومحاط به, وهذا يقود إلى أن المحاط أوسع مما يحيط به, وهذا باطل لأن المحدث (المخلوق) لا يمكن الإحاطة بالتقديم.
    أما بالنسبة إلى الإدراك, فاعلم إن الذات المقدسة لا يمكن إدراكها إلاّ بجهة من جهاتها أو بإثر من آثارها (ولا نعني بقولنا جهة أن له تعالى جهات, بل نريد به المستوى المعرفي الذي يصله المرء في سيره نحو الحق) فإن كل تلك الألفاظ بالنظرة الدقيّة لا يصح إطلاقها عليه سبحانه.
    ونحن إنما أدركنا أنه عالم لأننا وجدنا العلم فينا, وأدركنا قدرته لِما لمسناه من قدرتنا, فهو قادر لأن (فاقد الشئ لا يُعطيه) كما قيل. وبهذا يتضح لنا عدم الإتيان بلفظ (الإدراك) بدلاً عن الإحاطة.
    سؤال: لماذا لم يقل عليه السلام: (لم تُحط به العقول) بدلاً عن (الأوهام)؟
    اعلم؛ إن الوهم هي: القوة اللامتناهية الموجودة في ذات الإنسان.
    فنحن نستطيع مثلاً؛ تصور جبل من ذهب أو حيوان وزنه (100 طن) أو نتصور الملائكة أو نتصور شخص لديه خمسة أيدي وسبعة أرجل إلى غير ذلك من التصورات, وتلك التصورات إنما تحصل للإنسان بقوة الوهم التي أوجدها الله سبحانه وتعالى فينا, ويمكن على ذلك أن تنطبق صورة كل شئ يقع عليه البصر أو يُتَخيله في الذهن. فالذهن إذن هو محل القوة الوهمية التي توجد بداخلنا. أما (العقل) فلا يستطيع تصور ما يتصوره الذهن (الوهم).
    فالعقل يدرك الكليات والواقعيات (ما تقع عليه العين تحسه الحواس) أما الوهم فهو يدرك الكليات والواقعيات وحتى الجزئيات (ما تقع عليه العين وما لم تلمسه الحواس) فالوهم أوسع دائرة من العقل, والعقل أصغر دائرة, وعليه فلو قال الأمير عليه السلام (لم تُحط به العقول) فإن قوله سيشعر إن ما يكون أوسع دائرة من العقول يمكنه الإحاطة به وهو الوهم. ولذا قال عليه السلام (الوهم) ولم يقل (العقل) لأن امتناع إحاطة الأوسع دائرة يستلزم امتناع إحاطة الأقل دائرة منه.
    سؤال: لماذا لا نستطيع أن نحيط أو ندرك الذات المقدسة إدراكاً كلياً؟
    إن امتناع الإحاطة والإدراك للذات المقدسة إنما كان لجهات ثلاث:
    1- جهة الامتناع من ناحية الذات المقدسة (المُدرَك).
    2- جهة الامتناع من المخلوق ( المُدرِك).
    3- امتناع النسبة بينهما.
    ولتوضيح ذلك نقول: إن الإدراك هو نسبة بين المدرِك والمدرَك. ويمتنع بتخلف طرفيه أو أحدهما.
    أولاً: الامتناع من جهة الذات, وذلك لأن الذات المقدسة بسيطة من جميع الجهات وليست مركبة, لا بالتركيب الخارجي وهي (المدرَك). بينما (المدرِك) وهو المخلوق فهو مركب بالتركيب العقلي والخارجي, وعليه لا يمكن للمركب إدراك البسيط الذي هو هنا سبب الامتناع.
    ثانياً: الامتناع من جهة (المدرِك) وهو المخلوق (الإنسان), اعلم إن للإنسان نوعين من الإدراك.
    الأول: إدراك جزئي مفتقر إلى آلات ولا يتم إلاّ بواسطتها, وهي الحواس الخمسة:
    1- البصر.
    2- السمع.
    3- الشم.
    4- الذوق.
    5- الّلمس.
    ويسمى الإدراك بهذا المعنى إحساساً.
    وهذا القسم لا يمكن من خلاله إدراك الذات الخارجة عن المادة وكيفيتها, لأن تلك الحواس إنما تدرك كل ما يقع تحت مقولة الكيف (حال الشئ) كما أن المدرَك بهذا الإدراك لا يكون إدراكاً لذاته, بل لما يعرض عليه, لأن هناك فرقاً بين البارد والبرودة, فما تدركه تلك الحواس هو العوارض لا الذاتيات.
    إذن فمن هذه الناحية لا يمكن حصول الإدراك لامتناعه بالنسبة لنا لتعلقه في هذا القسم بالحواس التي يتقيد عملها بحدود لا نتعداها, فالأنف لا يستطيع النطق والعين لا تستطيع الشم, وهكذا نجد محدودية عمل وإدراك تلك الحواس ومتناهية الإدراك. فهذا القسم من الإدراك ممتنع.
    الثاني: الإدراك الكلي, ويقال له التعقل, ويتم عن طريق الحواس الباطنية التي تشمل:
    1- النفس.
    2- الوهم.
    3- العقل.
    ويتعلق هذا القسم من الإدراك بالذوات المجردة والمفاهيم الكلية, كإدراك الجواهر ومفهوم الزوجية ومفهوم الإنسان, ويمتنع بهذا القسم من الإدراك إدراك الذات المقدسة, فهذه الحواس مهما تكن لها القدرة على الإدراك إلاّ انه يبقى متناهياً ومحدوداً.
    أضف إلى ذلك؛ إن الذات المقدسة لا تقع تحت مفهوم الكليات أو المجردات, إذ أن كل ذلك يستلزم المحدودية والتركيب, وقد ثبت أنه تعالى بسيط من جميع الجهات. وبذلك يتضح لنا الإمتناع من جهة المدرِك.
    ثالثاً: الإمتناع من جهة النسبة بين المدرِك والمدرَك.
    إن الإدراك كما قلنا هو نسبة إضافية بين المدرِك والدرَك. والنسبة تتبع الإقتران والاتحاد في الرتبة والجهة والزمان والمكان, ولا نسبة بين الحادث والقديم.
    وبعبارة أخرى؛ إن حصول الإدراك كاشف عن المثلية, أو قل السنخية (ولو بجهة) بين المدرِك والمدرَك, ولا مثلية ولا سنخية بين الخالق والمخلوق واللامتناهي والمتناهي, فتمتنع النسبة فيسقط تبعاً لذلك الإدراك, كما تمتنع الإحاطة كما سبق وذكرناه.
    وبمجموع ذلك كله نجد أن الأمير عليه السلام قد أبطل جميع الاعتقادات في إمكانية الإحاطة بالذات أو إدراكها, وبهذا أبطل مقالة (الدهريين) الذين قالوا: (إن الله هو الدهر) وأبطل مقالة (الثنوية) حيث قالوا: (إن الله رب النور ورب الظلام) وأبطل مقالة (النصارى) الذين قالوا: (إن الله ثالث ثلاثة) وأبطل مقالة من قال بوحدة الوجود, ومقالة الإمامية حيث قالوا: (صفاته عين ذاته).
    وغيرها من المعتقدات القائمة على أساس من العبادة غير الصحيحة, لأن تلك المقالات إنما تكشف عن إدراكهم للذات المقدسة, من حيث تحديدهم لها, لأن الحدود إنما تصدق على الممكنات وتميزها عن نظائرها في الوجود. فهو سبحانه {لم تُحط به الأوهام} حتى تُقرَر حدوده.
    سؤال: قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ولا عبادة إلاّ بعد معرفة, وأمير المؤمنين عليه السلام يقول: {لم تُحط به الأوهام} والإمام الصادق عليه السلام حينا سُئل عن المعرفة قال: {لأجلها خُلقنا} ولكن أمير المؤمنين عليه السلام بقولـه قد أغلق الباب وقطع بعدم قدرة الجميع على معرفته, بل إن جميع معارفنا وهمية. فكيف يُمكن التوفيق بين تلك الأقوال؟
    لقد استدرك الإمام عليه السـلام في خطبته, حيث قاـل: {لم تُحط به الأوهام ... بل تجلى ...} فـ(بل) للإستدراك, كما تقول: هذا زيدٌ بل عليٌّ, فالإمام حينما قال {لم تحط به الأوهام} استدرك وقال: {بل تجلى لها بها}.
    سؤال: ما معنى قول الأمير عليه السلام {تجلى لها بها}؟
    معناه إنه سبحانه تجلى للأوهام بالأوهام, ومعنى (تجلى) عرّفها تعريفاً, أي عرّفَ الأوهام بالأوهام. فقوله سبحانه في الحديث القدسي: {كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف} هو تجلي للأوهام (عرّفها وبيّنها) تعريفاً على ما هي عليه, لأنه سبحانه هو الذي تعرف إلينا بالقدرة والعلم والقيمومية. ومن خلال هذه التجليات تعرف إلينا. وهذه الأمور كلها وهمية في واقع الأمر, إذ لا وجود إلاّ له سبحانه {أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المرشد إليك} وما تلك التجليات إلاّ للأوهام بالأوهام.
    أو بعبارة أخرى؛ تجلى لنا (لأوهامنا التي هي أوسع دائرة من العقول وبها يستدل عليه) بالأوهام (من حيث إن تلك الآثار ليست هو بأية حال من الأحوال) فهو سبحانه طالعها ظهوراً وتوصيفاً لا ذاتاً وتكيفاً, بمعنى إنه توصف بالعلم والقدرة والحياة. أما ما هو وما كُنْهه فلم يتبين ذلك لأحد.
    سؤال: كيف كان التجلي؟
    قبل الإجابة على هذا السؤال, هناك سؤال قد يُطرح, وهو: لماذا يولد شخص مسلم وآخر مجوسي وثالث يهودي وهكذا؟
    فنقول: إن الله سبحانه وتعالى تجلى للأوهام بحسب استعدادها وقدراتها وقابلياتها, فواحد أخذ أقصر الطرق وأراد أن يكون مسلماً, والآخر أراد البوذية وثالث المسيحية, وهكذا كلٌ على قدر استعداده, والمولى تعالى تجلى للمخلوقات بحسب استعدادها وقدرتها, ولذلك أصبحت طرق الوصول إليه بعدد أنفاس الخلائق.
    وبعبارة أخرى؛ إن الذات البحت والمجهول الكُنه المطلق والكنز المخفي لا يعلم حقيقته وكُنهه أحد, وهذه الأسماء التي تطلق عليه (الرحمن, الرحيم, الغفور, الرؤوف, ...) هي باعتبارات ظهوراته وتجلياته في مرايا القوابل -المخلوقات كافة- فَتَقبُل المعرفة إنما يكون بحسب استعداداتها, والكمال للوصول إلى المعرفة لا متناهي ومستمر وغير متوقف. فلفظ الجلالة (الله) إنما أطلق عليه حينما تجلى بالألوهية ولما ظهر بالرحمة الواسعة سُمي (الرحمن) وحينما ظهر بالرحمة الخاصة سُمي (الرحيم) وهكذا بالنسبة للرزاق والحفيظ وغيرها من الأسماء الإلهية.
    سؤال: هل هذه الأسماء ( الله, الرحمن, الرحيم, ...) ذاتية أم هي بسبب ظهوراته وتجلياته؟
    هي بسبب ظهوراته وتجلياته, فالإمام علي عليه السلام يقول: {وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف...}
    فقال الإمام عليه السلام: {تجلى لها بها} أي تجلى للأوهام بالأوهام بحسب قابلياتها واستعداتها, بما أبدع فيها من صفة (صفة تجلي) وبما فطرها على معرفته {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} (الروم: من الآية30) ولذا قال الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة: {أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك, كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك, ومتى غبت حتى صرت تحتاج إلى دليل يدل عليك, ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي تدل عليك...} فالله تعالى حَسَنٌ, ولذلك قال الإمام السجاد عليه السلام: {بك عرفتك وأنت دللتني عليك ولولا أنت لأم أدرِ ما أنت} يعني لولا تجلياتك وظهوراتك لم أدرِ ما أنت.
    فقد تجلى سبحانه للأوهام بنفس الأوهام فعرفناه بها, والوجود وكل ما فيه أثرُ فعله سبحانه وتعالى, لا أنه هو.
    نعم؛ هذا الوجود وما فيه هو الآية والدليل عليه وعلى كونه واحد لا منازع له في ملكه ولا شبيه له في خلقه ولا شريك له يُعاضده.
    ففـي كـل شـئ لـه آيـة تـدل علـى أنــه واحـد
    فيـا عجبـاً كيف يُعصى الإله أم كيـف يجحـده الجـاحد
    أما معنى الوجود عند أهل الحق فهو النور (النور المحمدي) من حيث أنه هو الفعل الأول والصادر من الذات, وهو المشار إليه في قوله صلى الله عليه وآله: {أول ما خلق الله نوري} وهو ما أشار إليه الأمير عليه السلام حينما سأله كميل بن زياد عن الحقيقة المحمدية, فقال: {هو نور أشرق من صبح الأزل فانتشر على هياكل توحيد الله آثاره} وهو المثل الأعلى الذي ضربه سبحانه وتعالى في الكائنات {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الروم: من الآية27) فهي آية على معرفته, ولذا قال الأمير عليه السلام حينما سئل عن العالم العلوي (العالم الإلهي) ماذا فيه؟ فقال الأمير عليه السلام ما لم ولن يقله أحد قبله ولا بعده فقال: {صورة غائبة عن المعرفة, خالية عن العدّة والاستعداد, تجلى لها فأشرقت, وطالعها فتلألأت, فألقى في هويتها مثاله وأظهر فيها أفعاله فكانت الأوهام بذاتها في نفس ذاتها دالة على معرفته وهي عين إدراكها لمعرفته فقد تجلى لنا بنا وبنا احتجب عنا}.

    والحمد لله رب العالمين

    alrooh34

    المساهمات : 2
    تاريخ التسجيل : 09/08/2010

    رد: بحث مقتبس من محاضرة السيد الاستاذ ( اول الدين معرفته)

    مُساهمة  alrooh34 في الإثنين أغسطس 09, 2010 3:47 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم
    جزاكم الله خيرآ مولانى على هذا الطرح

    {لم تُحط به الأوهام بل تجلى لها بها وبها امتنع عنها وإليها حاكمها}.
    سلام الله عليك يا أمير المؤمنين ويا مولى الموحدين

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 1:16 am